تقرير بحث السيد كمال الحيدري لعلي حمود عبادي
97
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية )
وقد يُعترضُ على ذلك بأنّ الأحكامَ الظاهريةَ - كما تقدّم في الجزء السابق - متنافيةٌ بوجوداتها الواقعية ، فإذا جرَتِ البراءةُ عن الحجّية المشكوكةِ وفُرضَ أنّها كانت ثابتةً ، يلزمُ اجتماعُ حكمينِ ظاهريينِ متنافيين . وجوابُ الاعتراض : إنّ البراءةَ هنا نسبتُها إلى الحجّية المشكوكةِ نسبةُ الحكم الظاهريِّ إلى الحكم الواقعيِّ لأنها مترتّبةٌ على الشكّ فيها ، فكما لا منافاةَ بين الحكم الظاهريِّ والواقعيِّ ، كذلك لا منافاةَ بين حكمينِ ظاهريينِ طوليَّينِ مِن هذا القبيل ، وما تقدّم سابقاً من التنافي بين الأحكامِ الظاهريةِ بوجوداتِها الواقعيةِ ينبغي أن يُفهمَ في حدود الأحكامِ الظاهريةِ العرضية ، أي : التي يكونُ الموضوعُ فيها على نحوٍ واحدٍ مِن الشكّ . وقد يُعترضُ على إجراء براءةٍ ثانيةٍ بأنّها لغوٌ ؛ إذ بدون إجراءِ البراءةِ عن نفسِ الحكم الواقعيِّ المشكوكِ لا تنفعُ البراءةَ المؤمِّنةَ عن الحجّيةِ المشكوكة ، ومع إجرائها لا حاجةَ إلى البراءةِ الثانية ؛ إذ لا يُحتملُ العقابُ إلّا من ناحيةِ التكليفِ الواقعيِّ وقد أُمِّن عنه . والجوابُ على ذلك : إنّ احتمالَ ذاتِ التكليفِ الواقعيِّ شيءٌ واحتمالَ تكليفٍ واقعيِّ واصلٍ إلى مرتبةٍ مِن الاهتمامِ المولويِّ التي تعبِّر عنها الحجّيةُ المشكوكةُ شيءٌ آخر ، والتأمينُ عن الأوّلِ لا يلازمُ التأمينَ عن الثاني ، ألا ترى أنّ بإمكان المولى أن يقولَ للمكلّف : كلّما احتملتَ تكليفاً وأنت تعلمُ بعدم قيام الحجّةِ عليه فأنت في سعةٍ منه ، وكلّما احتملتَ تكليفاً واحتملتَ قيامَ الحجّةِ عليه فاحتطْ بشأنه . ولكنّ التحقيقَ مع ذلك : أن إجراءَ البراءةِ عن التكليفِ الواقعيِّ المشكوكِ يُغني عن إجراء البراءةِ عن الحجّيةِ المشكوكةِ ، وذلك بتوضيح ما يلي : أوّلًا : إنّ البراءةَ عن التكليفِ الواقعيِّ والحجّيةِ المشكوكةِ حكمانِ ظاهريانِ عرضيّانِ ؛ لأنّ موضوعَهما معاً الشكُّ في الواقع ، خلافاً للبراءةِ عن